
السوريتان “سهام، وفاطمة” بمبادرات إنسانية جمعتا سوريات وعراقيات
عندما حلّت الحرب على بلادنا في سوريّة، تشتت العباد، وتبعثرت معها الأحلام والأماني ورسالتي الامان والاستقرار في عديد المناطق، نزح كثيرون في بلادهم، ومثلهم وأكثر هجّ وهجر خارج الحدود، هناك من تصدى لأن يكون عنواناً للسلام والإخاء ومناصرة أخيه السوري، من بين تلك النماذج الجميلة “سهام الأحمد”.
الخمسينيّة “سهام” ابنة مدينة “القامشلي” في محافظة الحسكة السوريّة، الواقعة على الحدود التركيّة العراقيّة، امتازت تلك المدينة بالكثير من الأمان واستقرار أكثر، فتوافد ونزح إليها أسر سوريّة عديدة، من محافظات سوريّة مختلفة، كانت تحتاج العون والمؤازرة، فحملت على عاتقها “سهام” أعباء كثيرة للتخفيف عن أُسر فُرضت عليهم النزوح والهجرة القسرية..
مع مرور الوقت والسنين شكّلت “سهام الأحمد” حولها عشرات النسوة، انطلقنا لإنجاز مبادرات وقصص اجتماعيّة، تحولت إلى أحاديث الناس، وخلال اللقاء معها، سردت تفاصيل عشقها لخدمة أهلها السوريين، فتقول: “مع نشوب الحرب في سورية، جاءت أسر كثيرة لمدينتنا، كانت تحتاج للطعام والشراب والفراش، احتاجت للمأوى والاستقرار، بعضها كانت تأمل الحصول على دوائها وعلاجها الطبي، لم أستطع النوم، وهذه الأفكار في مخيلتي، باشرتُ للعمل الإنساني دون ترتيب وتنسيق، أخذتُ لأسر مواد غذائيّة ولأخرى أدوية ومواد المطبخ، وبعض الأسر أدوات الطبخ والنوم، تنقلت بين تلك الأسر من مكان لآخر، بهدف الوصول لأكبر عدد، وتأمين ما يلزمها، ساندني زوجي من لحظة البداية حتّى تاريخه، سيبقى خير عون وأهم عوامل نجاح مهمتي الانسانية، تطوّر العمل، فانضمت إليّ نساء لمساعدتي، قررنا أن نتصدى للعمل الإنساني والاجتماعي دون توقف، وعلى مدار اليوم، فكثرت المبادرات، وتعددت المواقف”

اعتمدت “سهام” خطّة عمل واضحة في سبيل إيصال الخدمة لأكبر قدر، تضيف على ذلك: “إحدى أهم أهدافنا ومنذ البداية، ألا نرتبط بمرجعية أو جهة رسمية، تابعنا العمل طوعاً بفريق نسوي كامل، فمع فصل الشتاء نقوم بتأمين مادة المازوت للأسر المحتاجة، والقرطاسية للطلاب مع بداية العام الدراسي، والملابس للأطفال أيّام الأعياد، ودفع أقساط الدراسة للطلاب، وفي شهر رمضان المبارد تتنوع المبادرات بتوزيع سلل غذائية ولحوم على الأسر الفقيرة، مُتنقلة بمساعدة زوجي وأغلب الأحيان نتأخر على فطور شهر رمضان المبارك بسبب توزيع الفطور على المحتاجين، ولزوجي وأصدقائه مبادرات خاصة لا تتوقف، أغلبها في مجال الحلاقة الرجاليّة فهو اختصاصه، وهي دورية لذوي الاحتياجات الخاصة مع تنفيذ حفلات وتوزيع هدايا لهم، تحديداً في رأس السنة الميلاديّة، هذا العمل اليومي ومنذ 2011 حملني جهد وإرهاق، وأحياناً إصابات وإرهاصات، في إحدى المرات تعرضت قدمي للكسر، مع ذلك تابعت وأتابع عملي الإنساني حتّى اللحظة”
بالإضافة إلى الدعم المادي والإنساني، فأنّ “سهام” وعدد من فريقها النسائي التطوعي، يقوم بجهد آخر ومختلف، فزياراتهم الدورية، تعرضهم لحالات نفسية متعبة، نتيجة الظروف التي تمر بها العباد والبلاد، فيبذل الفريق وعلى رأسه “سهام” إنجاز جلسات دعم نفسي، تكللت كثير بها بقصص النجاح.
“سهام” استعانت وتستعين بصديقات وأهل في سبيل تأمين ما تحتاجه الأسر الفقيرة لازديادها، خاصة الأسر التي تعيلها المرأة، تقول عن ذلك: “لا توجد لدي راحة وهدوء، حتّى عندما أكون في المنزل، استمر عبر شبكات التواصل الاجتماعي مع الخيرين سواء أصدقاء أو أهل ومغتربين، لدعم الأسر التي تتطلب مساندة مالية وبشكل دائم، وكثير من المرات أغفي على هاتفي، وفي الصباح اتّجه إلى مكان خصصته لتوزيع المساعدات التي تصلني، المكان عبارة عن قبو شبه مظلم، تم استئجاره من قبلي، لجمع المواد والاحتياجات وتوزيعها على المحتاجين، قمت باستئجار القبو مؤخراً، لعدم استيعاب منزلي للمواد”


السيدة “أم سليمان” المعروفة ب”فاطمة خليل” شريكة الهم والتّعب “لسهام”، تشاطرها جهد كبير، ويشاطرها زوجها أيضاً، بالاعتماد كثيراً على دراجته النارية، التي طالما “أبو سليمان، وأم سليمان” نالا الأرق والبرد في فصل الشتاء على الدراجة، يتنقلان عبرها ولا يملكان غيرها، في سبيل إنجاز عمل إنساني.
“فاطمة” قلبت معنا تفاصيل رحلتها مع “سهام” وحكايتها مع العمل الإنساني، فتقول: “قبل 8 سنوات تعرفتُ على “سهام” تحت شعار خدمة أهلنا النازحين والوافدين، انطلقنا معاً، وخضنا التفاصيل الخيّرة سوية، متحملين الجهد والتعب الذي لا يحمله الرجال أيضاً، كثير من المرات نعتل البضاعة ونقوم بإنزالها للقبو، نتنقل أحياناً على قدمينا أو دراجة زوجي، أو عبر سيارات الأجرة، نذهب إلى الأسر التي تحتاج الخدمة بمكان إقامتها، بعد التأكد من حالتها الصعبة، يتم تدوين اسمها وتصلها ما تحتاجه، تركيزنا بشكل أكبر على شراء الأدوية واسطوانات الأوكسجين والعمليات الجراحية وتأمين أقساط التعليم، وأمور أخرى عديدة، لدينا حالياً أكثر من 300 أسرة وجميعها تحتاج للمساعدة”
شكلت “فاطمة” مع زميلتها “سهام” فريق نسائي جميل ومتميز، تقول عنه: “كثير من الأسر التي كنّا نستهدفها وهي قادمة من محافظات أخرى، كانت تمتهن مهنة أو هواية، اتفقنا على تبني وتعزيز تلك المواهب، من خلال إنشاء معارض فنية شاملة، تكون المواد من نتاج النسوة، وتباع بأسعار منافسة، فتكون المرأة والتي هي أساساً معيلة، تعتمد على نفسها بنفسها، لدينا اليوم 60 امرأة يعني 60 أسرة، كلها تعيل أسرها، بالاعتماد على تلك المعارض التي سميناها “مجموعة أحلام صغيرة”، هناك نسوة تقدم نتاجها من الخياطة والتطريز وبعضهن تقدم الطبخ والمونة، وأخرى تعرض لوحات فنية ومجسمات، الأهم أنها من أنامل انساء اللواتي أصبحن عناوين لحياة أكثر تفاؤلاً”
إلى جانب النساء السوريات واللواتي هن من محافظات “الحسكة، حلب، حمص، دير الزور، الرقة، دمشق، ادلب” انضمت إلى الفريق نساء عراقيات، بذات الهدف والطموح، والمشاركة في المعرض والاعتماد على الذات.
“سهام” و “فاطمة” نموذجتان رائعتان للمحبة والسلام، ما عرفتا طعماً للنوم، ولا يتلذذان بالهدوء والارتياح، ولهن من أجناسهن تذوقان المر والمرارة، بهذه الروح والمعاني والتسامي، التي تنثرها قلب المرأة السوريّة حباً وعطاءً، سيبقى للأمل مكان رغم الألم.
عبد العظيم العبد الله/ سورية
